ولد الرباني يرد من جديد على جميل منصور حول موضوع "الردة"/ مقال

خميس, 20/02/2020 - 11:26

حول موضوع الردة
طالعت ما كتب الأستاذ محمد جميل منصور عن موضوع الردة في الإسلام، ورغم أن الأستاذ بدا حذرا، يسرد أكثر مما يستنبط، ويود ألا يذهب بعيدا وهو أمر حميد، إلا أن فيما كتب كثيرا مما لا ينبغي أن يمر دون تعليق، ومن ذلك:
1- الزعم بأنه "ليس عاديا عدم ذكر القرآن الكريم لعقوبة المرتد في الدنيا، خصوصا مع ذكره للردة كثيرا وذكر عقابها الأخروي الشديد، مع أن حدودا دون الردة في مستوى العقوبة مذكورة في القرآن ومذكورة عقوبتها". فليس حد الردة –على التسليم بهذا- الحد الوحيد الذي لم يرد صريحا في القرآن فكذلك حد الخمر، وحد الرجم، ولو كان تفصيل القرآن في الأمر بحسب أهميته في التشريع لوجدنا تفاصيل هيئة الصلاة ومقادير ما تجب فيه الزكاة وما يخرج فيها، أكثر مما نجد تفاصيل قصة موسى وأحكام التركة وعدد النساء، لكن الأمر ليس كذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم أوتي القرآن ومثله معه ليبين للناس ما نزل إليهم، فلا فرق في التشريع بين ما ورد في القرآن وما صح في بيانه صلى الله عليه وسلم.
2- قوله: "ولم تكن المحاولات في استنتاج عقاب دنيوي من قوله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " موفقة أو بالأحرى مقنعة." ذكر هذا القول دون نسبته لقائله غريب، فلا أعتقد أن أحدا يحاول أن يستنبط حكم الردة من هذه الآية، وإنما الآية التي استدل بها على حد الردة هي قوله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} يقول المقاصدي طاهر ابن عاشور في التحرير والتنوير: "وقد أشار العطف في قوله : ( فيمت بالفاء المفيدة للتعقيب إلى أن الموت يعقب الارتداد وقد علم كل أحد أن معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب الارتداد فيعلم السامع حينئذٍ أن المرتد يعاقب بالموت عقوبة شرعية ، فتكون الآية بها دليلاً على وجوب قتل المرتد".(2/335).
3- قوله: "السياق الذي ورد فيه الحديث الصحيح "من بدل دينه فاقتلوه" يعين على فهمه وتحديد الصفة التي صدر بها عن النبي صلى الله عليه وسلم (أهي النبوة والتبليغ أم الإمامة والسياسة) فقد كانت مجموعة من اليهود في جو استهزاء وقصد الفتنة تشجع فوضى الدخول والخروج في الإسلام ومنه "وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" فكان الرد من الإمام القائم على الأمن الديني للمجتمع الناشيء حديث البخاري المشهور " من بدل دينه فاقتلوه" هذا القول من الغرابة بمكان ولم ينسب إلى مصدر، ومعلوم أن حديث من بدل دينه فاقتلوه من رواية ابن عباس، وهو لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد جلاء جميع اليهود من المدينة، فليس الحديث قطعا ردا على هؤلاء، ومن زعم ذلك فليثبته.
4- قوله "أنه بالجمع بين الأحاديث الواردة في الموضوع تتبين الدلالة أكثر فحديث مسلم الآنف الذكر أضاف وصفا إضافيا لمن حكمه القتل " التارك لدينه المفارق للجماعة " وجاء حديث أبي داؤود الذي صححه الألباني ليشرح أكثر ويكمل صفات من حكمه القتل " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث : رجل زنى بعد إحصان فإنه يرجم ، ورجل خرج محاربا لله ورسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفسا فيقتل بها" وقد علق د.أحمد الريسوني على هذه الرواية واعتبرها "مفسرة ومبينة ومقيدة للروايات الأخرى التي ورد فيها قتل المرتد مطلقا دون تقييد" جوابه: أن مدار هذا الحديث ليس على عائشة رضي الله عنها فقط، فإن اختلفت عليها الروايات فيه، فمرة نقل عنها كفر بعد إسلام ومرة نقل عنها ما ورد في هذه الرواية، علمنا أن الصحيح هي رواية كفر بعد إيمان فقد شهدت لها رواية صحيحة في سنن أبي داود قال: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن أبى أمامة بن سهل قال كنا مع عثمان وهو محصور فى الدار وكان فى الدار مدخل من داخله سمع كلام من على البلاط فدخله عثمان فخرج إلينا وهو متغير لونه فقال إنهم ليتواعدوننى بالقتل آنفا. قلنا يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين. قال ولم يقتلوننى سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إسلام أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس ». فوالله ما زنيت فى جاهلية ولا إسلام قط، ولا أحببت أن لى بدينى بدلا منذ هدانى الله، ولا قتلت نفسا فبم يقتلوننى؟" ورجال هذا الحديث كلهم من رجال الصحيحين، وهو صريح في تعلق القتل بالردة المجردة، وهذه الرواية أوضح وأصح من جميع الروايات التي يريد كتاب اليوم أن يرجعوا بها الحديث إلى حد الحرابة، ويشهد لقتل المرتد حديث معاذ أن النبي صلّى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن، قال له: أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد، وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت، وإلا فاضرب عنقها». رواه الطبراني في المعجم الكبير، قال الحافظ ابن حجر: «وإسناده حسن، وهو نص في موضوع النزاع، (يعني مع الحنفية القائلين بعدم قتل المرأة المرتدة) فيجب المصير إليه).
يغفل الكاتب أو يتجاهل أن للخروج المسلح والإخلال بالأمن العام عقوبة لا علاقة لها بالردة فإن كان المتمرد إنما خرج فسادا في الأرض فأحكامه مبينة في حد الحرابة، وإن كان تمرده سياسيا فأحكامه مفصلة في حد البغاة، والفقهاء واعون ما يأتون وقد قرروا بابا فقهيا للردة المجردة عن السلاح.
5-   صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم حد الردة على حالات معينة، والذي يبدو بعد التتبع أن الردة مرت بثلاث مراحل تشريعية:
أ‌- الأولى: لم يكن على المرتد عقاب كمن ارتدوا في حادثة الإسراء، إذا الإسلام يومئذ ما زال في طور البناء والتشكل، كما لم يكن على من شرب أو زنى عقوبة.
ب‌- الثانية كان الأمر فيها مبني على السياسة وتقدير المصالح ويصعب تحديد بداية هذه الفترة لكن يمكن الجزم بأنها انتهت بانتصار الإسلام واستتباب الأمر في فتح مكة.
ت‌- فترة تشريع الحد الثابت وكانت فيما بعد الفتح وفيها جاء حديث ابن عباس الذي لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم قبل الفتح، وحديث معاذ وأبي موسى الأشعري، حين بعثا إلى اليمن في السنة التاسعة، ويدل لذلك عمل الصحابة، الذين لم يثبت عنهم ترك مرتد ثبتت ردته، فلو علموا أن الأمر موكول إلى اجتهاد الحاكم، لنقلت عنهم حالات من العفو عن المرتدين.
6- أما القول بأن عمر كان لا يرى قتل المرتد فباطل، لأن حديث قصة نفر بني بكر بن وائل لا يخلو من أن يكون نفس القصة التي في الموطأ وهي كما رواها مالك عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القارئ عن أبيه انه قال : "قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى الأشعري فسأله عن الناس فأخبره ثم قال له عمر هل كان فيكم من مغربة خبر فقال نعم رجل كفر بعد إسلامه قال فما فعلتم به قال قربناه فضربنا عنقه فقال عمر أفلا حبستموه ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله ثم قال عمر اللهم اني لم احضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني" فإذا كانت القصة واحدة فعمر لم ينكر إلا عدم الاستتابة لا القتل كما هو واضح، وأما إن كانا قصتين فإن ما أجمل من السجن في قصة نفر بني بكر بن وائل مفصل في حديث الموطأ وهو أعلى إسنادا، وإن كان لا بد من اعتبار التعارض فما في الموطأ مما هو متصل السند كما هنا أرجح. ولهذا قال ابن عبدر البر تعليقا على قول عمر رضي الله عنه "لأودعتهم السجن" يعني: "استودعتهم السجن حتى يتوبوا فان لم يتوبوا قتلوا هذا لا يجوز غيره لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم (من بدل دينه فاضربوا عنقه)  ثم قال: "ولا أعلم بين الصحابة خلافا في استتابة المرتد فكأنهم فهموا من قول النبي صلى الله عليه و سلم (من بدل دينه فاقتلوه) أي بعد ان يستتاب والله اعلم" الاستذكار ج7ص 155.
وأما النخعي فقد ثبت عنه أن المرتد يقتل رجلا أو امرأة يقول ابن حجر في فتح الباري: "وأخرج سعيد بن منصور عن هشيم عن عبيدة بن مغيث عن إبراهيم قال إذا أرتد الرجل أو المرأة عن الإسلام استتيبا فان تابا تركا وأن أبيا قتلا وأخرج بن أبي شيبة عن حفص عن عبيدة عن إبراهيم لا يقتل والأول أقوى فان عبيدة ضعيف وقد اختلف نقله عن إبراهيم "  [فتح الباري (12/268)] ويكفي في قوة ذلك أن البخاري أورده تعليقا إليه بصيغة الجزم فقال: "وقال ابن عمر والزهري وإبراهيم (يعني النخعي) : تقتل المرتدة. وبذلك يتبين أنه لا يوجد في عصر الصحابة بل ولا في من بعدهم من قال بعدم قتل المرتد بوجه صحيح ليس فيه عنه اضطراب.
7- الترحم على ابن حزم ونسبة القول بنسخ لا إكراه في الدين إليه مشعر بتفرده به، وليس كذلك، فإن الطبري وهو أقدم من ابن حزب ذكر قول طائفة من العلماء بأنها منسوخة وعلى منواله سار كل المفسرين، فالأقوال فيها مترددة بين النسخ والتخصيص، ولا قائل بالعموم، أما كونها من الكليات التي لا يدخلها النسخ فحكايته مغنية عن التعليق عليه.
الخلاصة أن من قال بهذا الرأي ليس له سند من الأصول ولا عبرة بتقبل العقول فيما ثبتت مخالفته للنقول، خاصة أن ما أكدته النقول تتقبله العقول، فالترجيح بغير مرشح اتباع للهوى واتباع الهوى ليس من مقاصد علماء المسلمين ولا السلف الماضين.

تصفح أيضا...