المجلسي يكتب "تعليق على كلام جميل منصور" (1) - مقال

أربعاء, 19/02/2020 - 18:42

بيان حقيقة الاستسلام لأمر الله والانقياد لأحكام شريعته هو واجب الوقت, وإبراز ضوابط الحرية ورَسم مجالات الاختيار أمر مستساغ, أمَّا التّنظير للحريَّة أصلا واعتبارُها مُنطلقا فرَميٌ لهذه الأمَّة المكلومة بثالثة الأثافي.

فليس معجونا من طينة الحكمة ولا معصورا من ثمرة البصيرة  التأصيلُ لحريَّة حلَّق العلمانيُّون على جناحها, وحَملَ عليها أعداءُ الدِّين السُّمَّ النَّاقع.

1.مَن قرأ مقال جميل منصور يتصوَّر أنَّه يتكلَّم عن قومٍ مُنعوا من الكلام المباح والتَّحرُّك الإيجابي فألجِمت أفواهُهم وصُفِّدت أيديهم وأرجلُهم..والواقع أنَّ حرِّيتَهم في الكلام والتَّحرك هي أمُّ الدَّواهي, وباب اقتراف المناهي, فكان كلامه زادا للعدُوِّ زاد الخرق على الرَّاقع.

ولم يَكتف الكاتبُ بهذا القدر..بل شَحن مقاله بما لا يَحمل عليه إلا الإيهام والإبهام, فجسَّ مواضعَ شتَّى, ونفثَ فيها من مسائل الحرية ما ليست هذه القضية محلَّ ذكره الأنسب, حتَّى جلب مسألة الرِّقِّ وأنَّ الأصل في الإنسان الحرية, وكأنَّ هؤلاء المستهزئين الَّذين دوَّخت حريتُهم الفضاءات عبيد وإماءٌ استُغلُّوا أبشعَ استغلال, ولسان حالهم يقول:

أظلُّ أرعى وأبيتُ أَطحنُ..

والموت من بعض الحياة أهونُ.

2.في هذا الطَّرح غَمرات لا تَنجلي تَغيب فيها حقيقة الاستسلام الَّذي هو معنى هذا الدِّين وأساسه, وقد قال تعالى: (ومَن يُسلِم وجهَه إلى اللَّه وهو مُحسِن فقد استَمسك بالعروة الوُثقى وإلى اللَّه عاقبة الأمور)

قال سيِّد قُطب رحمه الله: (إنه الاستسلام المطلق لله مع إحسان العمل والسُّلُوك, الاستسلام بكامل معناه، والطُّمأنينة لقَدَر الله، والانصياع لأوامر الله وتكاليفه وتوجيهاته مع الشُّعور بالثِّقة والاطمئنان للرَّحمة، والاسترواح للرِّعاية، والرِّضى الوجداني، رضى السكون والارتياح، كل أولئك يرمز له بإسلام الوجه إلى الله، والوجه أكرم وأعلى ما في الإنسان.

"ومَن يُسلِم وجهَه إلى اللَّه وهو مُحسِن فقد استَمسك بالعروة الوُثقى" 

العروة التي لا تنقطع ولا تَهِن ولا تخون مُمسِكا بها في سرَّاء أو ضرَّاء، ولا يَضِل من يشُدُّ عليها في الطَّريق الوَعر واللَّيلة المظلمة، بين العواصِف والأنواء!..)

إنَّ هذا الإسلام يُقيم نظاما كاملا، ويَضع منهجا شاملا، ليس من صنع العقول القاصرة والأهواء الشَّاردة، وإنَّما هو نور تتجلَّى تحت إشراقاته حقيقة النَّفس والكون والحياة، وبه تُكتسب الحياة (أَوَمَن كان مَيْتا فَأَحيَيناه وجَعلْنا له نُورا يَمشِي به في النَّاس كمن مَّثَله في الظُّلُمات ليس بخارج مِّنها كذلك زُيِّن للكافرين ما كانُوا يعملُون)

وحين نزل قول الله تعالى: (اليومَ أَكمَلت لكم دينكم وأَتمَمتُ عليكم نعمتي وَرَضيت لكمُ الإِسلام دينا..) اكتَملت الصُّورة, ورسِمت الحدود، فلا تقبل بعد ذلك زيادة ولا نُقصان في دين الله، هذا هو دين الله، رسالة الله إلى العباد الَّتي يجب السَّير على نظامها كما يسير كلُّ كوكب من هذا الكون في مداره، وكما تنتظم كلُّ ذرَّة في سلكها (أفغيرَ دين اللَّه يَبغون وله أسلم مَن في السَّماوات والأَرض طوعا وكَرها وإليه يُرجَعون)

3.على ضَوء هذه الحقيقة ننظر إلى تلك الحرية الَّتي تسلَّق السَّاخرون جُدرانَها, ونشروا بين شباب المسلمين أدرانَها, فسنرى عظيم مخالفتها لقول الله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللَّه ورسوله أمرا أَن يكون لَهم الخيرة من أمرِهم ومَن يَعصِ اللَّه ورسولَه فَقد ضلَّ ضلالا مُّبينا)

ألا يَرى الكاتبُ الدَّعوة إلى العلمانية خروجا على الشَّريعة ورغبةً عن حدودها..!؟

ألا يَرى الاستهزاءَ بالدِّين والسُّخريةَ من أحكامه تَمرُّدا على الخالق وإفسادا في الأرض!؟

فليت شِعري أيهما أولى بالاتِّباع.. إسلام هو الاستسلام لشَرع الله والانقياد له, أم حرِّية تستبيح العلمانية وتفتح المخارج للمستهزئين!؟ أم أنَّ علينا السَّعيَ للجمع بينهما فنروم لَمسَ الشمس واستعادةَ الأمس !؟

4.أمّا جلب خبر الخوارج للاستدلال به على مهادنة أهل الآراء الفاسدة ما لم يسلكوا مسلكا عمليا مجرَّما..فهو من باب مساواة النقض والغَزل, وإلحاق الجِدِّ بالهَزل, إذ كيف يُلحق متأوِّل بساخر متهتِّك!؟ فالخوارج فرُّوا من الكُفر, أمَّا هؤلاء المستهزئون فمسارعون في الكفر,  ومهادنة الجماعة منهم سياسة شرعية مطروقة, أمَّا أفرادهم فمن أعلن منهم مضِلات الفكر وطرق أبوابَ فتنة النَّاس يُعزَّر بما يُبعد شرَّه, ويَكشِف عن المجتمع ضرَّه.

5.أمّا آية: (لا إكراه في الدِّين) فلا نحتاج إلى القول إنَّها خاصة بالَّذين يُعطون الجزية, فلا يُكرهون على الدخول في الإسلام إذا أعطوها, ولا إلى القول إنَّها منسوخة بآية السَّيف, وهي أقوال العلماء المحقِّقين الذين نظموا عُقودَ العلم, ووَشَّوا بُرود الفهم, وإنَّما نقول إنَّ قضية هؤلاء المستهزئين السَّاخرين أخصُّ.

فباعتبارهم مسلمين أصلا ..فالواجب رَفع سَيف حدِّ الرِّدَّة في وُجوهم حمايةً للدين الَّذي هو أهمُّ الضَّروريات, فقد روى البخاريُّ وغيره عن ابن عباس أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (مَن بدَّل دينَه فاقتُلوه) وفي معناه أحاديث كثيرة.

ولولا تخصيص الكاتب مقاله الثاني لهذا الحديث الصَّحيح النَّاسف لحرية تَغيير الدِّين لكان التَّعجُّب واردا من كونه لم يسُقه في مقاله الأول بينما ساق قصَّة وَسق ليُقوّيَ بها الحرية الدينية والفكرية, وهي قصة ضعيفة رواها غير واحد , وفي سندها شريك بن عبد الله وهو ضعيف, كما أن وسقا -ويقال فيه أسق- مجهول. مع أنَّ في القصَّة أن عمرَ لم يُوَلِّهِ لكونه نَصرانيا, فهو مقيَّد في العمل ولو كان حرّا في التّديُن.

وفيه عدم استعمال غير المسلمين في شيء من الولايات, وقد بوَّب له ابن القيِّم في كتاب "أحكام أهل الذمة" وهذا لا يخدم الكاتب. 

وأمّا باعتبار المستهزئين كفَّارا أصليِّين لهم ذِمَّة, فجدير النَّظر في الشُّروط العمرية الّتي بوَّب لها ابن القيِّم فلا ريب في منافاتها للحرية المنشودة, وهي شروط تلقَّاها العلماء بالقبول, واحتجُّوا بها, وقد أنفذها بعدَه الخلفاء, وعملوا بها, فعجبي من الكاتب كيف يَسوق أثرا لعمر رضي الله عنه حجَّة عليه ويذكر كلاما لابن القيم حجَّةً عليه حيث ذكر "تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين" بشرط أن يكون ذلك عارضا, وألا يُمكَّنون من اعتياد ذلك..ثمَّ لا يعرِّج الكاتب على الشُّروط العمرية التي مِن أبرَزها ألا يُظهروا شركا, وأن يُوقِّروا المسلمين.

إنَّ هذه الشُّروط العمرية معصورة من ثمرات الأصل الإسلاميِّ الثابت حراسةً للدِّين وتعظيما للشَّعائر, ولا تزال تلك الثمرات حِسبةً طيِّبةً تُجتنى من قول الخالق سبحانه: (الَّذين إن مَّكَّنَّاهم في الأرض أقاموا الصَّلاة وآتَوُا الزَّكاة وأَمَرُوا بالمَعروف وَنَهوا عن المُنكر) فكيف نُهادن في ظلِّها باسم الحرية ما يُعلنه السَّاخرون مِن مُنكر القول والفعل !؟

(يتبعه -إن شاء الله- الكلام عن مسألة الرِّدَّة)

تصفح أيضا...