عن موضوع الردة "الحلقة 2"/ جميل منصور

أربعاء, 19/02/2020 - 12:28

عرفت الساحة الفكرية والسياسية في العالم الإسلامي في مناسبات عديدة نقاشا واسعا حول موضوع "الردة" استذكر فيه البعض ما استقر زمنا طويلا عند أصحاب النظر الإسلامي وانعقد عليه الإجماع أو كاد، وقدم فيه البعض الآخر آراء تباينت من الإلغاء إلى التأويل وقد أسهم أمران في تغذية هذا النقاش أما الأول فخارجي وهو الحرية الدينية وحرية الاعتقاد وثقافة حقوق الإنسان التي ضغطت بها الحضارة الغربية - رغم دوسها عليها أحيانا كثيرة - وانتقدت ما يعارضهاخصوصا عند تصويره باعتباره جريمة رأي أو اعتقاد، وأما الثاني فداخلي نظري وهو كيفية الجمع بين عموم آية " لا إكراه في الدين ....." وشبهة الإكراه في قتل المرتد إن لم يسلم، ورغم التفسير الشائع القائل بالتفريق بين الداخل في الإسلام ابتداء والخارج منه من بعد ذلك فإن الموضوع ظل مثار نقاش يشتد كلما كان هناك حدث ذو صلة به.

محسوم ومعلوم :

لا شك أن الردة عن الإسلام بعد دخوله جريمة كبرى خصها القرآن الكريم بقدر من الوعيد "وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " وقال تعالى "يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ " وقال تعالى  : " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً " وقال تعالى : "مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ: " والآيات تترى كثيرة في هذا الاتجاه

والمجتمع المسلم كالمدينة والمدينة " كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها " 

وجريمة هذه أوصافها في القرآن وهذا مآل مقترفيها حرية بالإنكار وحري أصحابها بالبراءة من طرف الناس والصالحين.

هذا عن المحسوم أما المعلوم فهو أن أغلب علماء المسلمين عبر تاريخ الفقه الإسلامي اتفقوا على أن عقوبة المرتد هي القتل إن لم يتب وأنه ندر أن تجد مخالفا في ذلك إلا ما روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وكل من ابراهيم النخعي و الثوري (سنعود له لاحقا) وقد اعتمد هذا الإجماع أو شبهه (لدي إشكال مع الإجماع مفهوما وضبطا وإلزاما مفتوحا في الزمن يمكن مناقشته في مناسبة لاحقة) على أحاديث صحيحة أشهرها : قوله صلى الله عليه وسلم " من بدل دينه فاقتلوه " الجماعة إلا مسلما وقوله صلى الله عليه وسلم " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة " مسلم وفي بعض صيغه " ...... رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس " الترمذي

وقد طبق الصحابة رضوان الله عليهم القتل للمرتد في حالات عديدة، طبقه أبوبكر الصديق وعثمان بن عفان ومعاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري وابن مسعود ..... وأغلب العلماء المعاصرين بمن فيهم العلم الأشهر د.يوسف القرضاوي يقولون بهذا الرأي ولايرون للمرتد المصر على ردته سبيلا غير القتل.

رأي له حظ من النظر : 

ومع هذا المحسوم وذاك المعلوم برز رأي له بعض السابقة وإن اشتهر أخيرا وقال به عديدون، خلاصته أن الردة مجرمة ولكن العقاب الدنيوي (القتل) مربوط بفعل زائد على مجرد الردة النظرية ولابأس باستعراض معتمدات هذا الرأي التي جاءت على النحو التالي: 

1 - أنه ليس عاديا عدم ذكر القرآن الكريم لعقوبة المرتد في الدنيا خصوصا مع ذكره للردة كثيرا وذكر عقابها الأخروي الشديد، مع أن حدودا دون الردة في مستوى العقوبة مذكورة في القرآن ومذكورة عقوبتها.

ولم تكن المحاولات في استنتاج عقاب دنيوي من قوله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " موفقة أو بالأحرى مقنعة.

2 - أن السياق الذي ورد فيه الحديث الصحيح "من بدل دينه فاقتلوه" يعين على فهمه وتحديد الصفة التي صدر بها عن النبي صلى الله عليه وسلم (أهي النبوة والتبليغ أم الإمامة والسياسة) فقد كانت مجموعة من اليهود في جو استهزاء وقصد الفتنة تشجع فوضى الدخول والخروج في الإسلام ومنه "وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" فكان الرد من الإمام القائم على الأمن الديني للمجتمع الناشيء حديث البخاري المشهور " من بدل دينه فاقتلوه"

3 - أنه بالجمع بين الأحاديث الواردة في الموضوع تتبين الدلالة أكثر فحديث مسلم الآنف الذكر أضاف وصفا إضافيا لمن حكمه القتل " التارك لدينه المفارق للجماعة " وجاء حديث أبي داؤود الذي صححه الألباني ليشرح أكثر ويكمل صفات من حكمه القتل " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث : رجل زنى بعد إحصان فإنه يرجم ، ورجل خرج محاربا لله ورسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفسا فيقتل بها" وقد علق د.أحمد الريسوني على هذه الرواية واعتبرها "مفسرة ومبينة ومقيدة للروايات الأخرى التي ورد فيها قتل المرتد مطلقا دون تقييد"

4 - أن أحاديث صحيحة أوردت خبر ردة واقعة دون أن تكون موضوعا لعقاب منها حديث الشيخين الذي وردت فيه قصة الأعرابي الذي طلب إقالة بيعته (من الإسلام) ثلاث مرات من النبي صلى الله عليه وسلم وكان تعليق نبي الهدى " إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها" ومنها حديث البخاري عن النصراني الذي أسلم وقرأ البقرة وآل عمران ثم تنصر ولما مات لفظته الأرض وحتى الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم بعد فتح مكة فقد جمعوا مع ردتهم أعمال قتل واعتداء خلافا لغيرهم ممن عفي عنهم.

5 - ما ورد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي اشتهرت عنه موافقاته واعتباره المقاصد في التعامل مع الأحكام، ورد في مصنف عبد الرزاق وغيره مما نقله أنس رضي الله عنه لما بعثه أبو موسى رضي الله عنه عند فتح تستر إلى عمر رضي الله في خبر النفر من بكر بن وائل الذين قتلوا بعد ردتهم وحين اعترض عمر سأله أنس : وما كنت صانعا بهم لو أخذتهم قال : كنت عارضا عليهم الباب الذي خرجوا منه أن يدخلوا فيه فإن فعلوا ذلك قبلت منهم وإلا أستودعهم السجن" وربما لهذا الأثر كان لابراهيم النخعي رأي الاستتابة أبدا وقال الثوري " هذا الذي نأخذ به" ولعل هذا ما جعل بعض المعاصرين يعتبر عقوبة المرتد تعزيرية تعود إلى تقدير الإمام بناء على المصلحة العامة والجو العام.

6 - ما أورده الأحناف في التفريق بين المرتد والمرتدة مقرين القتل للأول دون الثانية ومعروف أن جريمة الاعتقاد والرأي لا وجه للتفريق فيها بين الرجل والمرأة فكأن القدرة على الفعل والتمرد والخروج هي خلفية العقوبة وهي متوقعة من الرجال لا النساء. 

ولعل هذا الرأي المفرق بين الردة المجردة والردة التي يصاحبها فعل مجرم بمنطق الجماعة والدولة يكون أكثر انسجاما مع ظاهر وعموم آية البقرة "لا إكراه في الدين ....." وبالمناسبة حين قلت في الحلقة السابقة "ولم تنجح مقولات النسخ ولا التخصيص ولا التأويل في تقييد هذا الأصل المقرر لعدم الإكراه." لم أكن مجازفا فالقول بالنسخ مرجوح كما هو معلوم لدى أهل الاختصاص وغفر الله لأبي محمد ابن حزم الذي لم يجد إمكانا للجمع بين آية البقرة وحديث البخاري فقال بنسخه لها!!! ثم إن الآية مدنية وهي تقرر في الكليات والأسس وتلك ليست مجالا للنسخ أما التخصيص الذي ينتهي إلى نتيجة النسخ أو قريب منها فأولى منه الجمع والتفسير الذي يفهم الخاص في إطار العام ويتبع صاحبه منهج التكامل بين النصوص كما أوضحه الإمام أبو اسحاق الشاطبي.

الخلاصة أن من قال رأيا له سند من الأصول وتتقبله العقول يقوم على الجمع والفهم وحسن الصياغة والتنزيل، حري به بعض التقدير والاحترام مهما بدا مخالفا لمألوف الفقهاء والمجتمع وعامة الناس ورحم الله الإمام شهاب الدين القرافي حين قال : "والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين"

تصفح أيضا...