الطريق إلى غروزني / الشيشان (توثيق لرحلة تحكيم للشعر) الجزء الأخير 11/ الشيخ محمد بن بتار الطلبه

سبت, 18/01/2020 - 09:16

.... يبدو أن الطائرة المعدة لهذه الرحلة طائرة فخمة من طراز بوينغ 747 وهي ذات طابقين علوي وسفلي ولكل منهما باب يفضي إليه من  المدخل الهوائي المؤدي إلى الطائرة ، دخلت تيامنا من الباب الأيمن ، وعند باب الطائرة عرضتُ بطاقة الصعود على المضيفة ، فتمتمت بكلمات أنجليزية ،وأشارت إلى الأسفل ، تابعت إلى داخل الطائرة فتلقاني أحد أفراد الطاقم ومر بي بين مقاعد وثيرة محفوفة بأنواع وسائل الراحة والمتعة ، فظننت أن العودة ستكون في درجة رجال الأعمال ، لكن لم يطل حديث النفس كثيرا حيث وصلنا إلى سلم الهبوط إلى الطابق السفلي فودعني هناك حيث نزلت فوجدت مقعدي شاغرا ينتظرني ، فتمثلت بقول عمر بن أبي ربيعة:

 فلم أر كالتجمير منظر ناظر   ولا كليالي الحج أفتنَّ ذا هوى  

 وكم مالئ عينيه من شيء غيره    إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى

وبقول ابن هشام القرطبي:

أرى بعينيَّ ما لا تستطيل يدي   له وقد حازه من قدره دوني 

  وأنكَدُ الناس عيشا من تكون له  نفس الملوك وحالات المساكين 

 وبقول منقر بن وفرة المنقري:

وإن خفتَ من أمر فواتا فولِّه     سواكَ وعن دار الأذى فتحوّل

وما المرءُ إلا حيثُ يجعل نفسَه     ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل 

ولو أنه ركب الطائرة يوما لقال : (ففي "رُتَب الأعمال" نفسك فاجعل) 

كانت هذه الرحلة مريحة رغم عدم تمكني من النوم أثناءها ، وبعد خمس ساعات من الطيران بدأت الطائرة تأخذ مسار الهبوط في مطار دبي ، وقد حان طلوع الفجر بالتوقيت المحلي حسب معلومات الطائرة ، وإن كانت أضواء المطار لا تسمح بالتحقق من ذلك على أرضيته.

 كان الظرف صعبا بالنسبة لي حيث إنني لن أتمكن من أداء صلاة الصبح في الطائرة لانتهاء الرحلة ، وأخشى أن تطول إجرءات الخروج فلا أجد فرصة لأدائها في الخارج.

نزلت إلى مبنى المطار وبدأت البحث عن الباب المؤدي إلى قاعة المواصلين للسفر ؛ فوجدتها بسهولة ، وصعدت مع السلالم ، ثم عرفت من خلال إحدى شاشات المطار أن رقم بوابة الرحلة إلى دكار c8، فأخذت أسأل كل من لقيت عن مكان هذه البوابة فيشير إلى الأمام ، أغلب الناس في المطار ليس لديهم وقت حتى للاستماع إلى السؤال ، تابعت الهرولة في الاتجاه المشار إليه وهاجس ضياع الصلاة يزعجني ، رأيت شخصا واقفا في طريقي مشبكا بين ساعديه على صدره ، فقلت الحمد لله : هذا رجل لديه الوقت فيما يبدو لإرشادي إلى البوابة ، لما اقتربت منه لاحظت أنه ربما يكون من الهند أو ما حولها ، وقفت بين يديه فقلت له السلام عليكم ، فقال لي :"اخرمباب" فعرفت أن هذا ليس هو الفرج الذي كنت أنتظر ، وزدت وتيرة السعي منقلبا عنه ، فلقيت رجلا عربيا بدون أدنى شك ، ولن أجد أدنى صعوبة في فهم ما يقوله ،  لكن الضغط النفسي الذي أعاني منه جراء ملاحقة الوقت جعله لا يفهم ما أقول حيث مكثت وقتا أسأله : أين سي huit أجمع له بين الإنكليزية والفرنسية ، وأخيرا قلت له : أين سي ثمانية ؟ فقال لي : يا أخي قل لي سي ثمانية ، وأرشدني إلى المتابعة في بنفس الاتجاه ، ورغم أن دلالته لم تكن إلا إغراءً في الوسط لكنني أفدت منه أنني على الطريق الصحيح ، وتلك فائدة عظيمة.

بعد مسيرة بحث طويلة وصلت إلى البوابة ، ووجدت مسافري الرحلة من سنغاليين وغينيين على مقاعد الانتظار فسألتهم عن القبلة فأشاروا إلى سيدة تصلي فوضعت سجادتي مكانها وصليت الصبح.

انكشفت عني بذلك تلك الغمى التي غشيتني عند نزول الطائرة ، فوجدت رغبة للتسوق في المنطقة الدولية لمطار دبي ، دخلت على بائع ساعات فسمت إحدى ساعاته فذكر لي ثمنا باهظا لم أكن أتوقعه ، ثم سألته عن أرخص ساعة عنده فوضع يده على ساعة وقال : هذه ، وهي بأربعمائة دولار ، فقلت له : يبدو ن هذه السوق لا تليق إلا بالأثرياء .! فأشار أن نعم ، فتبادلنا التحية وانصرفت ، ولزمت مقعدي إلى أن دعينا لركوب الطائرة.

تمت عملية الإركاب وتحركت الطائرة متجهة إلى مطار كناكري ، ومنه إلى داكار في رحلة تستمر أربع عشرة ساعة ، رحلة طويلة جدا وشاقة ، لكن يهونها أننا في منتهاها سنكون في ضيافة الأخ الخل الوفي صاحب السعادة السيد ولد دهاه ؛ 

إذا اشتكتْ من كلال السير أوعدها   روح اللقاء فتقوى عند ميعادِ

أخذت أعلل نفسي وأعِدُها في بداية هذه الرحلة بأنني في نهاية هذا اليوم سأتناول أكؤسا من الأتاي الموريتاني في مجلس طيب من خلص الإخوان ؛ فتزهو النفس من الوعد كما يزهو الكمون ؛ حسب قول الشاعر العلامة القاضي محمد عبد الله بن المصطفى رحمه الله: 

وُعدت بدعد والعِدات هي المنى    فها أنا كالكمون يزهو من الوعد

وذكرت هنا اتصالا هاتفيا شرفني به فضيلة الشيخ الدكتور محمد المختار بن اباه حفظه الله قبل ثمان سنين يسألني فيه عن حالي إثر عملية جراحية أجريتها  ؛ فقلت له إنني منعت من الشراب أياما فاشتد بي العطش وكنت أنشد بيت العلامة محمد فال بن بابَ :

ستشرب ماءَ الشن عُلِّق بُكرة   وقد سبق الوراد من عين ذي السدر

وهو من أبيات يخاطب بها  العلامة محمدُّ بن فتى حيث كان محمدُّ مريضا وكان العلامة محمد فال يعالجه ، وكانت طبيعة العلاج تقتضي عدم تناول الشراب ؛ وأول الأبيات :  

خليليَ لا تسأم معالجة الصبر   وإن كنت في أمر أَمَرَّ من الصِّبْر

فتنفطر الأكباد من فادح الظما   ولكن تَحَمَّلْ طاقة النفس من حُر

ستشرب ماء الشن ...إلخ

به بعضُ طعم من حبال شقائق   تساقطن من أيدي غرائر كالشذْرِ...

عند استواء الطائرة في سماء الإمارات وبدئها في التوجه إلى الوجهة الميمونة عادت إلى القلب حرقة فراق المشرق دون مرور بالديار المقدسة ؛ فأنشد الحال قول الأعرابي:

حنَّتْ قَلوصِي آخرَ اللَّيْلِ حنّةً   فيَا رَوْعةً ما راعَ قلبي حَنِينُها

سعَتْ في عِقالَيْهَا ولاَح لِعينها   سَنَا بَارِقٍ وَهْناً فجُنّ جُنُونُهَا

فمَا برِحَتْ حتّى ارْعَوَيْنَا لِصَوْتِهَا   وحتَّى انْبَرَى مِنّا مُعِينٌ يُعِينُها

تَحِنُّ إِلى أرضِ الحِجازِ صَبَابَةً    وقد بُتَّ مِن أَهْلِ الحِجَازِ قَرِينُها

فيا رَبِّ أَطْلِقْ قَيْدَها وجَرِيرَها    فقد رَاعَ مَنْ بالمَسْجِدَيْنِ أَنِينُها

وقول أعرابي آخر:

أيا شجرات الوابشيات إنني  لكن على مر الزمان صديق

ولو لم تجاوركن أسماء لم يصل   إليكن من قلبي الغداة فريق

يميل الهوى بي نحوكن وقد أرى   بعيني ما لي نحوكن طريق

بعد نحو إحدى عشرة ساعة هبطت الطائرة في مطار كناكري ثم أقلعت بباقي من على متنها في اتجاه مطار داكار ، وفي أثناء هذه الرحلة اهتزت الطائرة  ونفضت جناحيها بتأثير بعض المطبات الهوائية فاشتد الفزع ، لكن أفرخ الروع بعد قليل ولله الحمد ، وبعد ساعة من الطيران هبطت في مطار داكار الدولي ، حيث وجدت في انتظاري عند باب المطار أخي الخل الوفي الوفي السيد والأخ الكريم الماجد محمد عبد الرحمن بن بدي بن محمود فركبنا وانطلقت بنا السيارة على الطريق السريع في اتجاه منطقة وكام.

وصلنا بفضل الله ومنه إلى المنزل قبيل غروب الشمس ، فأمر السيد (مَن ثَمَّ) - على اصطلاح الدكتور جمال أحمد بن الحسن تغمده الله برحمته- بإحضار الأتاي وكأنه يسمع من أعماقي قول أبي الهندي :  

أديرا علي الكأس إني فقدتها   كما فقد المفطوم در المراضع

أخي الكريم الخل الوفي السيد لي معه تاريخ حافل بالنكت والطرائف الأدبية مع ما كنت أتلقى من بره وإكرامه منذ بداية طلبنا للعلم في المحضرة ، وقد لا يسع هذا المقام عرض نتائج تلك الحقبة ، كما لا تسمح درجة الصلة الوثيقة بيننا بامتداحه علَنا على ما خصني به ، لكنني على يقين من أن السيد الشاعر الكبير سيدي محمد بن بمب  الذي قبل مشكورا أن يصحبنا إلى منزل السيد من المطار سيكون لديه انطباع بأن السيد عمل بوصية قيس بن خفاف لابنه جبيل ؛ حيث يقول:

والضَّيْفَ أَكْرمْهُ فإِنَّ مَبِيتَهُ    حَقٌّ، ولا تَكُ لُعْنَةً لِلنُّزَّلِ

واعلم بأن الضيف مخبر أهله    بمبيت ليلته وإن لم يسأل

أما أنا فقد وجدت سبيلا لما لم يظفر به أبو إسحق الشيرازي رحمه الله حيث يقول : 

سألت الناس عن خلّ وفيّ   فقالوا ما إلى هذا سبيل

تمسّك إن ظفرت بذيل حرّ   فإنّ الحرّ في الدنيا قليل

وعلمت ما وقع من المجازفة والمسامحة في جعل بعض الشعراء للخل الوفي ثالث المستحيلات حيث يقول:  : 

لما رأيت بني الزّمان وما بهم   خلّ وفيّ للشدائد أصطفي 

فعلمت أنّ المستحيل ثلاثة   الغول والعنقاء والخلّ الوفي

هكذا عدنا - والعود أحمد- إلى مدينة داكار حيث كانت بداية الرحلة إلى كروزني ، وقد ازددنا علما من رحلتنا على قدر نصبنا ؛ ورأينا أنه لا تزال على وجه الأرض من شعوب العالم بقية تعظم حرمات الله ، وتسخر وسائل الدولة لخدمة الإسلام وتشييد معالمه وصيانة آثاره ، والحمد الذي بنعمته تتم الصالحات ؛ 

وخبَّرها الرُّواد أن ليس بينها      وبين قُرى نجران والدَّربِ صافرُ

فألقت عصاها واستقرَّت بها النوى    كما قرَّ عيناً بالإياب المسافرُ.

تصفح أيضا...