التأصيل الفقهي لمفهوم "التمييز الإيجابي"/ د. أبو سهلة سيد احمد

سبت, 11/01/2020 - 02:38

كثر في الآونة الأخيرة التحدث عن مصطلح "التمييز الإيجابي" وهو في أبعاده ومدلولالته يعني مراعاة الأضعف في الأمة ومحاولة إلحاقه بالأقوى على المستوى المادي والمعنوي إن أمكن ذلك.

وهو أمر أصبحت الدول والهيآت والأحزاب تفعله مع بعض أفرادها؛ تأليفا للقلوب وجبرا للخواطر...

فهل لهذا المعنى أصل في الشريعة؟!

وهل فيه حيف على الأقوى لا يقره الإسلام؟!

بالنسبة لي عند ما تأملت هذا المعنى اتضح لي أنه ليس غريبا على الفقه؛ ولا يعد نشازا؛ وأقرب أبواب الفقه إليه ما يسمى بالسياسة الشرعية.

ثم وجدت في فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله ما يمكن اعتباره أصلا لهذا المعنى.

فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بني النضير أعطى للمهاجرين - مما أفاء الله به عليه - دون الأنصار مع أن الجميع شاركوا في الغزوة التي أخذ المسلمون فيها أموال بني النضير دون إيجاف من خيل ولا ركاب.

وعلل رسول الله صلى الله  عليه وسلم هذا الفعل بفقر المهاجرين "وقلة دَخْلهم" مقارنة بالأنصار!

ومما يزيد الأمر تجلية ووضوحا أنه قال للأنصار  - على سبيل تطييب الخاطر والإرشاد للعلة - (..إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين مما أفاء الله علي من  بني النضير؛ وكان المهاجرون على ماهم عليهم من السكنى في مساكنكم وأموالكم؛ وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم).

فصرح لهم بأن "التمييز الإيجابي " لا بد منه؛ إما بقسم أموال بني النضير على المهاجرين دون الأنصار؛ حتى يتأتى للمهاجرين أن يمتلكوا أموالا يستغنون بها عن الأنصار وعن السكنى معهم في دورهم؛ وإما بقسم مال بني النضير سوية بين المهاجرين والأنصار مع بقاء المهاجرين ساكنين مع الأنصار في دُورهم؛ مشاركين لهم في أموالهم.

غير أن رد الأنصار على تخيير رسول صلى الله عليه وسلم كان رد "الذين تبوءو الدار والإيمان" !!

فقام رجلان من الأنصار وهما سعد بن معاذ وسعد بن عبادة -رضي الله عنهما - وقالا:

(يا رسول الله؛ بل تقسمه للمهاجرين ؛ ويكونون معنا في دورنا كما كانوا.

ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله...).

فعندها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- مثمنا هذا الموقف- "اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار".

ولعظم هذا الموقف خلّده القرآن فقال تعالى- عن موقف الأنصار هذا -"والذين تبوءو الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة...".

وحتى نعلم أن هذا "التمييز الإيجابي" كان  بسبب الصفة - الفقر  والحاجة - لا بسب العِرق - الشريحة أو اللون - فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رجلين من الأنصار لاحتياجهما؛ وهما :

سهل بن حُنيف؛ وأبو دجانة رضي الله عنهما.

كذلك أيضا مما يمكن الاستئناس به  للتمييز الإيجابي قوله صلى الله عليه وسلم:

إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه...

فهذا الإعطاء لا معنى له إلا  الاحتياج أو الاستئلاف.

كما أن حقوق الارتفاق التي شرّعها الإسلام قد تَصُبّ في هذا المعنى.

وعموما فإن لهذه الفكرة أصلا في الشريعة؛ غير أننا في بعض تطبيقاتها قد نقع في كوارث تخرج هذا المعنى عن أهدافه وغاياته!

فمثلا حين نجعل شخصا إماما وهو لا يحسن الفاتحة؛ أو طبيبا وهو يجهل الطب... أو نسند إليه  تدريسا أو محاضرة؛ وهو لايكاد يبين؛ وإنما فعلنا هذا بحجة "لونه" أو "شريحته" فإن هذا لا. يسمى تمييزا إيجابيا؛ وإنما يسمى محاصصة مقيتة؛ وتجهيلا مقنعا!

والخلاصة أن "التمييز الإيجابي"  يكون في الماديات؛ وفي التأهيل للمعنويات والتكوين عليها.

أما "الأمر " فلا يسند إلا إلى أهله؛ وهم العارفون به ؛ والقادرون عليه؛ بغض النظر عن "لونهم" أو  "شريحتهم".

وحتى يجد أصحاب  الأنظام "ذاتهم" في هذه التدوينة؛ نختم  بأبيات من الغزوات  للعلامة البدوي؛ تشير إلى هذا "التمييز  الإيجابي" الذي فعله رسول الله صلى عليه وسلم؛ حين قال:

أما الغنيمة فعن زحاف@

والأخذ  عنوة لدى الزحاف@

لخير مرسل وخَصَّ فئتَهْ@

وفي رضا أنصاره عطيتَهْ@

كان الترحم على الأنصار@

أن آثروا به بني نزار...

 

تصفح أيضا...