عربي استعادته قبيلتُه مقابل "تيس" وآخر أبطل صلاة الرشيد بالضحك.. تعرف على ثقافة الفكاهة في تراث المسلمين

ثلاثاء, 31/12/2019 - 12:25

للضحك والفكاهة في التراث العربي تاريخ حافل منذ ما قبل الإسلام؛ ذلك أن الضحك والبكاء صنوان قد غُرسا في أعماق الإنسان، وقد أجلى القرآن الكريم هذه الحقيقة حين بيّن أنها من دلائل عظمة الخالق جلّ وعلا؛ إذ قال: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا). وقد قال الجاحظ (ت 255هـ) –في كتابه ‘البخلاء‘- معلّقا على هذه الآية الكريمة بذكائه المعهود: "فوضع الضحك بحذاء الحياة، ووضع البكاء بحذاء الموت"؛ فكأنما الضحك حياة، والبكاء موت.

فالضحك عنوان الحياة، وقد أشار كثير من الفلاسفة لهذه الحقيقة عندما عرّف بعضهم الإنسان بأنه "حيوان يضحكُ ويُضحِكُ معًا"؛ فكيف عبّر المسلمون عن طبائع الضحك والفكاهة لديهم حتى صارت "صنعة" مجتمعية؟ وكيف تنوّع تراثهم في المضاحك إلى الحد الذي يمكن وصفه بالمذهل؟ وكيف رأى مؤرخو الثقافة المجتمعية هذه الظاهرة فدّونوا عنها؟ ذلك ما سنقف معه في هذا المقال.

ظاهرة مخضرمة
تزخرُ المعاجم العربية بمادة غزيرة عن الفكاهة والضحك بمفردات تحيل معانيها على طيب النفس والمزاح؛ وقد نضح تراث العرب في جاهليتهم بمشاهد الفكاهة والضحك، ومن ذلك ما أورده الدميري (ت 808هـ ) في كتابه ‘حياة الحيوان الكبرى‘ من أن قبيلة مُزَينة أسرت ثابتًا والد الصحابي حسَّان بن ثابت الأنصاري (ت 54هـ)، "وقالوا لا نأخذُ فداءَه إلا تيسًا! فغضب قومه، وقالوا: لا نفعل هذا؛ فأرسلَ إليهم: أعطوهم ما طلبوا. فلما جاؤوا بالتيس، قال: أعطوهم أخاهم وخذوا أخاكم؛ فسُمّوا مُزينة التيس، وصار لهم لقبا وعيبًا".

وإذا كانت معاني الضحك والتندر والفكاهة في عصر الجاهلية قد دارت حول سياقها المعرفي والثقافي المهيمن آنذاك الذي اشتُهر بالحط من المخالف؛ فإن عصر الإسلام جاء ليصحّح تلك المفاهيم، ويضع الضحك والفكاهة والمزاح في إطار أخلاقي منضبط. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُمازحُ أصحابه، حتى إن بعضهم استغرب من ذلك متسائلاً: يا رسول الله، إنّكَ تُداعبنا! قال: "إنِّي لا أقولُ إلا حقّا" (سنن الترمذي).

وقد اتكأ الصحابة على هذا المثال النبوي؛ فعُرفت منهم مواقف الضحك والتضاحك والتفكّه، حتى إن البخاري (ت 256هـ) في ‘الأدب المفرد‘ يروي عن التابعي بكر بن عبد الله المزني (ت 108هـ) أنه "كان أصحاب (ص) يتبادحُون (= يتقاذفون) بالبطِّيخ؛ فإذا كانت الحقائقُ (= الجِدّ والمسؤولية) كانوا هم الرِّجال".

واشتهر بعض الصحابة بالمضاحك مثل النُّعيْمان بن عمرو الأنصاري الذي ترجم له ابن حجر (ت 852هـ) في كتابه ‘الإصابة‘ ذاكرا قصصا من فكاهته، ومنها أنه "كان لا يدخل المدينة طُرْفة إلا اشترى منها ثم جاء بها الى النبي (ص) فيقول: هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبها يطلب النعيمان بثمنها أحضره إلى النبي (ص) وقال: أعط هذا ثمن متاعه، فيقول: أوَلمْ تهده لي؟ فيقول: إنه والله لم يكن عندي ثمنه ولقد أحببت أن تأكله، فيضحك [النبي ص] ويأمر لصاحبه بثمنه"!!

ثم إن عصرًا جديدًا تشكل في زمن الأمويين فخفّ فيه التمسك بأهداب الدين وأخلاقه وتفشت مظاهر المدنية حتى تجلت مظاهر الفكاهة في طبقات المجتمع كافة: من الساسة ورجال الحكم إلى القبائل والأفراد؛ ففي عهدهم يُروى –فيما حكاه ابن عبد ربه (ت 328هـ) في ‘العقد الفريد‘- أنه اختصم إلى والي العراق زياد بن أبيه (ت 53هـ) بنو راسب وبنو طفاوة في غلام ادّعوه، "وأقاموا جميعا البيّنة عند زياد؛ فأشكل على زيادٍ أمرَه.

فقال سعد الرابية من بني عمرو بن يربوع: أصلح اللَّه الأمير، قد تبيَّن لي في هذا الغلام القضاء؛ ولقد شهدتُ البينة لبني راسب والطفاوة، فولِّني الحُكم بينهما. قال: وما عندك في ذلك؟ قال: أرى أن يُلقى في النهر، فإن رسَب فهو لبني راسب، وإن طفَا فهو لبني الطفاوة. فأخذ زياد نعليه وقام وقد غلبه الضحك، ثم أرسل إليه: إني أنهاك عن المزاح في مجلسي. قال: أصلح اللَّه الأمير، حضرني أمر خفتُ أن أنساه؛ فضحك زياد" رغم ما كان يتصف به من شدة ومهابة، فقد كان "زياد أفتك من الحجاج لمن يخالف هواه"؛ على ما يرويه الحافظ الذهبي (ت 748هـ) في ‘سير أعلام النبلاء‘.

وفي كتب التراث حكايات كثيرة شعرا ونثرا تتجلى فيها مظاهر الفكاهة في المجتمع الأموي، وقد شملت كافة طبقات هذا المجتمع من القضاة والعلماء والشعراء وغيرهم، ونحن ننقل لك نموذجا منها مما رواه ابن عبد ربه في ‘العقد الفريد‘. فقد ظهر لنا في هذا العصر ظرف الإمام الفقيه المحدّث الشَّعبي (ت 109هـ) الذي كان يستخدم أسلوب التغافل الفكِه، وعُرف عنه المزاح فكان كثير السخرية من الحمقى.

ودخل يوما رجل أحمق على الشعبي وهو جالس مع امرأته في بيته فقال: "أيكم الشَّعبي؟ فقال الشعبي: هذه! وأشار إلى زوجته؛ فقال: ما تقول -أصلحك الله- في رجل شتمني أول يوم في رمضان، هل يُؤجر؟ قال: إن قال لك يا أحمق، فإني أرجو له"!! وقال له رجل آخر: "كيف تُسمَّى امرأة إبليس؟ قال: ذاك نكاحٌ ما شهدناه"!

تأنق حضاري
 أما أشعب بن جبير (ت 154هـ) –وهو مولى عبد الله بن الزبير (ت 73هـ)- فقد اشتُهر بالطمع ومواقفه شديدة السخرية والضحك، وكان رجلا محسوبًا على جيل التابعين، إلا أنه عُوتب في ذلك لندرة ما أخذه من الحديث عن جيل الصحابة؛ فقال مدافعًا عن نفسه: إنه يحفظُ حديثًا واحدًا، فقالوا: حدّثنا به، فقال: "حدَّثني نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مَن كان فيه خصلتان كُتب عند الله خالصًا مُخلصًا. قالوا: إنّ هذا حديث حسن، فما هاتان الخصلتان؟ قال: نسي نافع واحدة، ونسيتُ أنا الأخرى"!!

ومن مواقف طمع أشعب المضحكة أنه "وقف على امرأة تعملُ طبق خوصٍ، فقال: لَتُكبّريه، فقالت: لِـمَ؟ أتريدُ أن تشتريه! قال: لا، ولكن عسى أن يشتريه إنسانٌ فيُهدى إليَّ فيه؛ فيكون كبيرًا خيرًا من أن يكون صغيرًا. ويحكي المفضل الضبي (ت 291هـ) -في كتابه ‘الفاخر في الأمثال‘- أن أشعب اجتمع به غلمان المدينة يومًا يؤذونه "فقال لهم: إن في دار بني فلان عُرْسًا فانْطَلِقوا إليه فهو أنفع لكم. فانطلق الغلمان وتركوه. فلما مَضوا، قال: لعلّ ما قلتُ لهم من ذلك حق، فمَضى في إثرهم نحو الموضع الذي وصفه للغلمان فلم يجد شيئا، وظفر به الغلمان هناك فآذوْه"!

وتكثر أخبار الأعراب القادمين من عُمق الصحراء بمواقف غير مصطنعة تنبئنا أن الفكاهة كانت متأصلة في النفوس والمجتمعات العربية قريبة العهد بالإسلام آنذاك؛ فهذا أعرابي مَنَّ الله عليه بحفظ القرآن، بيد أنه استطاع أن يوظفه لغرض آخر، فقد أقبل على رجلٍ "وبين يديْ الرجل طبقٌ فيه تينٌ، فلما أبصرَ الأعرابيَّ غطّى التينَ بكساء كان عليه، والأعرابي يُلاحظه... فجلس بين يديه، فقال له الرجل: هل تُحسن من القرآن شيئًا؟ قال: نعم؛ قال: فاقرأ؛ فقرأ الأعرابي: (والزيتون وطُورِ سِينين)، قال الرجل: فأين التين؟! قال: تحت كسائك"!!

ويروي أبو سعد الآبي الرازي (ت 421هـ) -في ‘نثر الدر‘- أنه قُدّم طعام رديء اسمه "الكامَخ" (= إدامُ الخبز) لأعرابي فلم يستطبه، وقال ما هذا؟! قالوا: كامَخ. قال: ومن أي شيء صُنع؟ قالوا: من الحنطة واللبن؛ قال: أبوان كريمان فانظر ماذا أنجبا! ودخل أعرابي آخر المسجد والإمام في الصلاة يقرأ: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)، فقال الأعرابي: والكامَخ، لا تنسه أصلحك الله!!

ويُحكى أن أعرابياً ولي البحرين –وهي آنذاك تعني معظم الساحل الشرقي لجزيرة العرب- فجمع يهودها وقال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ قالوا: نحنُ قتلناه وصلبناه. قال: فوالله لا تخرجون حتى تُؤدّوا ديته، فأخذها منهم. ويحكي التوحيدي (ت بعد 400هـ) -في ‘الإمتاع والمؤانسة‘- أن بعض العُقلاء سأل أعرابيا: "أتُريد أن تُصلَبَ في مصلحة الأمّة؟ فقال: لا، ولكني أُحبّ أن تُصلَبَ الأمّة في مصلحتي"!

ومع مجيء عصر العباسيين (132–656هـ)؛ تعمق الاندماج بين المسلمين بأعراقهم المختلفة، وبرزت ظواهر اجتماعية ودينية وأخلاقية جديدة، واختلفت أساليب الحياة الاقتصادية، انتشر الترف ورغد العيش والتنعّم لدى الأمراء والوزراء ومن هم في طبقتهم، وكثرت مجالس اللهو والغناء والتأنق في المُلهِيات؛ مما أدى إلى جرأة الأدباء والشعراء وعامة الناس على الولوج إلى ميدان الفكاهة والضحك، فأصبحت الفكاهة "صناعة ترفيه" قائمة على أصول وأدبيات، حتى ذكر قاضي القضاة الحنبلي نجم الدين المقدسي (ت 689هـ) -في كتابه ‘مختصر منهاج القاصدين‘- مسألة "اللعب والهزل... بما يضحك الناس به"، وقال "إن بعض الناس يكون كسبه من هذا".

رصد مبكر
ويبدو أن المجتمع العباسي قد تقبّل هذه النكات بصدر رحب، حتى إن التوحيدي يدعو إليه قائلاً في ‘البصائر والذخائر‘: "إياك أن تعافَ سماع هذه الأشياء المضروبة بالهزل، الجارية على السَّخف، فإنّك لو أضربتَ عنها جُملة لنَقَص فهمُك، وتبلّد طبعُك...؛ فإنك ما لم تُذِق نفسَك فرحَ الهزل كربَها غمُّ الجِدّ، وقد طُبعت في أصل تركيبها على الترجيح بين الأمور المتفاوتة". ثم إنه يقدم لنا وجهة نظر فلسفية تندرج فيما يسمى اليوم علم الاجتماع السياسي؛ فيقول إن الناس "لا بد لهم -في الدهر الصالح، والزمان المعتدل...، والخير المتصل- من فكاهة وطيب...، فإن أغضى الملكُ بصرَه على هذا القسم عاش محبوبا، وإن تنكّر لهم فقد جعلهم أعداء".

يأتي الجاحظ (ت 255هـ) ذروة للأدب والأديب الساخر في عصر العباسيين، ويلاحظ الباحث أحمد عبد الغفار عبيد -في كتابه ‘أدب الفكاهة عند الجاحظ‘- أنه "كان يستخدم الإطار الفكاهي ليوجّه نقداته الهادفة، وسُخرياته المرّة إلى الأدواء الاجتماعية، والنقائص الأخلاقية التي يراها فاشية في الناس من حوله".

وقد انتقد الجاحظ -بأسلوبه الممزوج بالسخرية ولغته الجزلة العذبة- أدواءً اجتماعية مثل الكذب والبخل وعجائب الظواهر الاجتماعية التي رآها في الشعوب؛ فتناول مثلا ظاهرة القُصَّاص والوعّاظ ممن لم يحصّلوا علمًا حقيقيًا وأوهموا العامة في زمنه بأنهم علماء لا يُشق لهم غبار، وكانت تصدر منهم أفعال وأقوال على قدر كبير من الغرابة والفكاهة.

ومن هؤلاء أبو كعب القاصّ الذي كان يحكي ما في جُعبته بمسجد عتّاب ببغداد القديمة كل أربعاء، "فاحتبس عليهم في بعض الأيام وطال انتظارهم له. فبينما هم كذلك إذ جاء رسوله فقال: يقول لكم أبو كعب: انصرفوا فإني قد أصبحتُ اليوم مخمورًا"! ويروي ابن الجوزي (ت 597هـ) -في ‘أخبار الحمقى والمغفلين‘- أن أبا كعب هذا قال مرة في قصصه: "كان اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا وكذا؛ فقالوا له: إن يوسف لم يأكله الذئب! قال: فهو اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف!".

ويكشف لنا الجاحظُ –في كتابه ‘الحيوان‘- أن إيراده الضحك والفكاهة أمر مقصود في مؤلفاته لتنشيط القارئ وإبهاجه، "فربّ شِعر يبلغُ -بفرط غباوة صاحبه- من السرور والضحك والاستطراف ما لا يبلغه حشدُ أحرّ النوادر وأجمع المعاني"! وجعل الجاحظ ‘رسالة التربيع والتدوير‘ نموذجًا فذّا في الفكاهة القائمة على التهكم والسخرية؛ حين ألقى بسهام نقده نحو رجل كان معاصرًا له ويُدعى أحمد بن عبد الوهاب؛ فسخر فيها من شكله وخِلقته، ومن ثقافته الضحلة وجهله.

ثم هو يسخرُ من جهل بعض أعراب زمنه بالنحو؛ فقد نقل –في ‘البيان والتبيين‘- أن الربيع بن عبد الرحمن السّلمي –لعله الواعظ المعتزلي تلميذ الحسن البصري (ت 110هـ)- سأل أعرابيًا: "أتـَـهْمِزُ إسرائيلَ؟ قال: إنّي إذا لرجل سوء؟ قلت: أتـَـجُرُّ فلسطينَ؟ قال: إنّي إذا لقويّ"!!

قوالب جديدة
كما يقفُ الجاحظ -بذكائه وألمعيته- مع مضاحك طائفة البخلاء في المجتمع العباسي، ويبدأ بأكثر الناس بخلاً في زمنه -كما رآهم الناس- وهم أهل مدينة مرو خاصة ومنطقة خراسان عامة؛ فيقول في كتابه ‘البخلاء‘: "قال أصحابنا: يقول المروزي للزائر إذا أتاه وللجليس إذا طال جلوسه: تغدّيت اليوم؟ فإن قال نعم، قال: لولا أنك تغدّيتَ لغدّيتُك بغداءٍ طيبٍ؛ وإن قال: لا، قال: لو كنتَ تغديتَ لسقيتُك خمسةَ أقداح؛ فلا يصيرُ في يده على الوجهين قليل ولا كثير"!!

ولئن أوتي هؤلاء الأدباء وبعض الفقهاء والمؤرخين قدرة على التدوين وجمع أخبار الضحك والفكاهة، فإن غيرهم أوتوا ملكة رسم مشاهد كوميدية بصورة تشخيصية فذّة، جمعت عددًا من الأبطال في موقف واحد، مثل أولئك الذين نراهم في مسارح وأفلام هذه الأيام.

فإذا كان الأديب الفارسي عبد الله بن المقفّع (ت 142هـ) أول رائد -في لغة الضاد- لهذا اللون الأدبي بترجمته لكتاب ‘كليلة ودمنة‘، الذي أورد جامعه على لسان أبطال قصصه من الحيوانات صنوفًا من الحكمة والأدب؛ فإن ذروة الكوميديا التشخيصية وُلدت مع ميلاد فن المقامات على يد بديع الزمان الهمذاني (ت 398هـ)، ثم من بعده الحريري البصْريّ (ت 516هـ).

تمتاز أغلبية هذه المقامات بالفكاهة والطرافة، مثل ‘المقامة الحمدانية‘ التي يصور فيها الهمذاني مساجلة عقدها سيفُ الدولة الحمداني (ت 356هـ) لوصف فرس؛ وكذا ‘المقامة المارستانية‘ التي صوّر فيها رجلاً مجنونًا يُنزل غضبه على فرقة المعتزلة؛ و‘المقامة الحلوانية‘ التي قصد فيها بطل مقاماته المتخيَّل عيسى بن هشام حمّامًا للاغتسال والاحتجام، فإذا هو يواجه مواقف شديدة الطرافة بين رجلين تنافسا عليه أو على غسل رأسه وقفاه بالأحرى، ويسرد البطل حكايته مختتما باحتكام الرجلين إلى صاحب الحمام، في مشهد شديد الضحك والسخرية!

وعلى صعيد "ناس الهامش"؛ نرى مواقف لا تحصى من الفكاهة التي شاعت في أرجاء ذلك العصر، وهي فكاهة مرحة كانت بنتَ بيئتها ووقتها وثقافتها الغالبة. فقد روى ابن الجوزي -في ‘أخبار الظراف والمتماجنين‘- أن رجلاً قصد سوق الكوفة ليشتري حمارًا؛ فقال لبائع الحمير: "اطلب لي حماراً لا بالصغير المحتقَر ولا بالكبير المشتهر، إن أقللتُ علفَه صبر، وإن أكثرتُ علفه شكر...، إذا خلا في الطريق تدفَّق، وإذا أكثر الزحام ترفَّق؛ فقال له النخَّاس بعد أن نظر إليه ساعة: دعني، إذا مسخ الله القاضي حماراً اشتريتُه لك"!

واتسعت الدائرة حتى بلغت معلّم الصبيان في الكُتّاب؛ فقد "قال أبو العنبس (الصيمري المتوفى 275هـ): كان ببغداد معلم يشتم الصبيان، فدخلتُ عليه وشيخ معي، فقلنا: لا يحل لك. فقال: ما أشتمُ إلا من يستحقُّ الشتمَ، فاحضروا حتى تسمعوا ما أنا فيه، فحضرنا يوماً فقرأ صبي: عليها ملائكة غلاظ شداد يعصون الله ما أمرهم ولا يفعلون ما يؤمرون؛ فقالَ: ليس هؤلاء ملائكة ولا أعرابا ولا أكرادا؛ فضحكنا حتى بالَ أحدُنا في سراويله"!!

 

 

المصدر : الجزيرة نت

تصفح أيضا...