الرئيس التلفزيوني.. كيف صنع الإعلام شخصية ترامب؟

ثلاثاء, 03/12/2019 - 12:46

قام التلفزيون بتسلية أميركا طويلاً لكنه استولى عليها وغزاها مع انتخاب دونالد ترامب رئيسا للبلاد، بحسب كتاب جديد لكبير الناقدين التلفزيونيين في صحيفة نيويورك تايمز جيمس بونويزيك بعنوان "جمهور الرجل الواحد".

ويظهر الكتاب كيف شكل الإعلام المجتمع والسياسة الأميركيين عبر خطين للكتاب يتابع الأول تطور التلفزيون في القرن العشرين الذي وحّد ملايين الأميركيين في ثقافة أحادية مشتركة إلى عالم اليوم الذي يتألف من عدد هائل من القنوات، والذي قام بتقطيعهم إلى ثقافات فرعية متفرقة وغريبة، والخط الثاني للكتاب هو نقد ثقافي لدونالد ترامب.

ويقوم المؤلف بتفكيك عصر ترامب الفوضوي الذي يصفه بأنه إنتاج تلفزيوني مستمر على مدار 24 ساعة، وهي حقبة أصبحت فيها السياسة "ثقافة شعبوية"، بحسب تعبيره.

ويسلط الكتاب الضوء على دور التلفزيون المهم في تكوين شخصية ترامب وأخلاقه، ومكانته في الوسط التجاري، وقدرته على تتبع ومعالجة المشاعر والرأي الشعبي. ومن المرجح أن الكتاب حمل فرضية تبدو معقولة، ولكن مدى جودة أدلته هو ما يناقشه عرض نقدي للكاتب ديفيد بروميتش.

ترامب التلفزيوني
وفي تقريره الذي نشرته "نيويورك تايمز ريفيو أوف بوكس" قدم بروميتش، عرضه للكتاب قائلاً إن ظهور ترامب التلفازي ربما ساعده في كسب الشهرة، لكن ذلك لم يكن الحدث الأهم، إذ إن شخصية ترامب خُلقت من خلال عوامل متعددة من الصحف الشعبية ومجلات المشاهير.

وقد سهّل التلفزيون انتقال ترامب من الصحف للسياسة، بفضل فوزه بدور البطولة في برنامج "ذي أبرينتس" و"ذي أبرينتس سيليبريتي". وفي الوقت نفسه، كان ترامب مشهورًا باعتباره مليارديرا عقاريا في فترة ما بعد الرئيس ريغان عندما كانت "أنماط حياة الأثرياء والمشاهير" موضوعًا مفضلًا.

وأفاد الكاتب بأن التلفزيون في الخمسينيات وجد ترامب وهو في فترة النضج، التي يخبرنا بونويزيك أنها تتوافق مع إصدار مسلسلات والت ديزني "ديفي كروكيت". ويعتقد الكاتب أن ديفي كروكيت "شيطن الهنود الأميركيين"، حيث كانت له آثار دائمة "لا تختلف عن الصور العنصرية السامة التي سيتبناها وسيتحكم بها دونالد ترامب لاحقًا". 

تطور التلفزيون وترامب
وأكد الكاتب أن فصول كتاب بونويزيك حول تطور التلفزيون أصبحت أكثر مصداقية مع اقترابها من سنوات طفولته بصفته متابعا للبرامج التلفزية. كما أنه محق في القول إن الاعتزاز بالثروة في البرامج التلفزية أضر بالمزاج الاجتماعي المتقلب خلال فترة حكم ريغان. 

وأورد الكاتب أن أفضل صفحات الكتاب خُصّصت لوصف وتحليل برنامج "ذي أبرينتس". وفي هذا الإطار، قال بونويزيك إن "العظة" التي يقدمها المضيف نفسه كانت دائمًا في قلب العرض. ومن بين هذه الحِكم التي يعمل بها ترامب فكرة أن "القائد الذي يريد أن يكون شعبيا لن ينجح أبدًا"، فعلى الرغم من أن ترامب يبحث عن الاهتمام،فإن لديه حاجة أقل من السياسي العادي لشعبية واسعة.

كما أن أكثر ما يميزه عن أسلافه المباشرين، أوباما وبوش الابن هو اللامبالاة واستعداده لفعل أو قول أي شيء. ويبدو أن الأقلية العددية والأغلبية الانتخابية التي رفعته إلى الرئاسة فعلت ذلك استجابة لهذه الصفات.

الثقافة الإعلامية
وبالنسبة للمعلق السياسي والصحفي الأميركي الشهير مات طيّبي، تُعدّ جميع وسائل الإعلام جزءا من نظام بيئي واحد للمعلومات السامة وذاتية التعزيز. ويعتقد طيّبي أن التايمز مسؤولة عن التغطية السياسية المشوهة، على مدى السنوات الثلاث الماضية.

وصدر لطيبي كتاب حديث بعنوان "شركة الكراهية: لماذا يجعلنا الإعلام الراهن نحتقر بعضنا بعضا؟" يرى فيه أن ما يعتقده معظم الناس على أنه "أخبار" هو في الواقع ينتمي لقطاع الترفيه.

وفي عصر الإنترنت، أتقنت الصحافة فن تسييس الغضب وأسهمت في شيوع جنون العظمة وانعدام الثقة، ويقدم طيبي، الذي قضى معظم حياته المهنية في تغطية الانتخابات التي يكون فيها هذا النوع من النشاط الاستغلالي فظيعا للغاية، دراسة استقصائية غنية عن حيل الصحافة السياسية الأميركية القذرة، وحرص على نشر الكتاب قبل موسم انتخابات عام 2020 ليكون "ترياقا للسموم الخفية التي يصممها أولئك الذين نعتمد عليهم لإخبارنا بما يحدث في العالم".

وبيّن الكاتب أن وثيقة دالة على بيئة ترامب الإعلامية كانت عبارة عن عمود من صحيفة التايمز من إعداد جيم روتنبرغ، الذي نُشر في عام 2016. وجادل روتنبرغ بأن المراسلين الصحفيين لهم واجب مدني في صد التهديد الفريد من نوعه الذي تمثله رئاسة ترامب، كما يجب أن تكون الصحافة في الوقت الراهن "حقيقية بالنسبة للوقائع بطريقة تتماشى مع حكم التاريخ". 

العنصرية
وخلال الاجتماع الذي أعلن فيه رئيس التحرير التنفيذي، دين باكيه، عن اضطرار صحيفة التايمز "إلى إعادة تجميع صفوفها، وتحويل الموارد والتركيز" للتعامل مع العنصرية باعتبارها القضية الرئيسية، ظل السؤال يُطرح في كل مناسبة: هل أنت على الجانب الصحيح من التاريخ؟ 

وأفاد الكاتب بأن ذلك كان بمثابة تعبير نموذجي عن القيم التي تعم وسائل الإعلام المناهضة لترامب. ولسائل أن يسأل، ما الضرورة الصحفية التي تتطلب وجود غرض للتأطير بهذه الصورة؟ وخاصة أنها لا تتعارض مع قول ما هو حقيقي ومهم. 

وأشار الكاتب إلى أن العناوين الرئيسية في صحيفة التايمز عادة ما تحمل اسم ترامب، نظرا لأنه من الصعب غض النظر عن أفعاله. إلى جانب ذلك، تدر القصص المتعلقة به الأرباح، خاصة في ظل ارتفاع أعداد الاشتراكات، وشعور القراء بالاطمئنان من خلال موجة الرفض لترامب.

وذكر الكاتب أنه في الآونة الأخيرة وفي خريف عام 2016، أحيت رئيسة التحرير العامة لصحيفة "التايمز" ليز سبايد تعريفا أقدم للضمير الصحفي عندما قاومت اتهامات "الانحياز الإعلامي" في قرار الصحيفة بتغطية سوء استخدام هيلاري كلينتون لخادم بريد إلكتروني خاص. والجدير بالذكر أن سبايد فُصلت عن عملها بعد تسعة أشهر، كما ألغيت الوظيفة التي أدتها محررة عامة.

بالمقابل، يزعم طيّبي أن الدعاوى المبالغ فيها المتعلّقة باعتبار ترامب "عميلا روسيا" أثبتت أنها من أعراض التفكير الجمعي ومضللة بقدر المعلومات التي زرعها تشيني وبوش وتوني بلير لدعم قصف العراق وغزوه عام 2003. والواقع أن ترامب يعد رجل أعمال فاسدا، وصديقا للآخرين في الولايات المتحدة وأماكن أخرى ممن يضعون مصلحتهم الشخصية قبل مصلحة بلادهم، لكنه ليس عميلاً روسيا، بحسب تعبير الكاتب.

مصارعة إعلامية
علاوة على ذلك، يلاحظ بونويزيك بشكل عابر، على عكس طيّبي الذي تعمّق بشكل أكبر بكثير، النماذج الأولية لقيام ترامب بالتفاخر والاستعراض التي تعلمها من مؤسسة "دبليو دبليو أي" الإعلامية. وقال طيّبي إن الصحافة في حملة ترامب لعبت دور المعلّق المصدوم جزئيا، نظرا لأنهم كانوا جاهلين فعلا بما كانوا يفعلونه، في حين أنهم لم يدركوا قط أن الوسيلة اللائقة "لتغطية" المصارعة المحترفة، تكمن في عدم تغطيتها. 

في المقابل، لا يزالون يؤدون هذا الدور، ويغطّون ترامب بعناية شديدة، متجاهلين وجود مواضيع أكثر أهمية، على غرار تغيّر المناخ وحروب الشرق الأوسط الكبرى التي لا تزال الولايات المتحدة تقاتل من أجلها، إلى جانب التهديدات التي تهدد حرية التعبير والتي تنبع من عمالقة مواقع التواصل الاجتماعي على غرار غوغل وآبل وفيسبوك وأمازون.

وأفاد الكاتب بأن طيّبي يعتقد أن وسائل الإعلام المناهضة لترامب تعاني من توحيد الأسلوب والمضمون السيئ. فكيف حدث ذلك؟ يرى طيّبي أن قدرا كبيرا من الصدع ينشأ عن تجانس الوسط الصحفي. 

وقبل خمسين عاما، كان عدد كبير من الصحف التي تُعنى بشؤون الرجال والنساء، ينتمون إلى خلفيات الطبقة العاملة. بينما ارتاد أغلب الصحفيين السياسيين في الوقت الراهن، "الجامعات المرموقة"، وجلّ ما يفعله هؤلاء الأشخاص سرد القصص، ويعود عدم معرفتهم السياسية إلى ملكيتهم المشتركة لموقف ما، وهو ما يضفي ثقة غير ثابتة على أحكامهم ويؤكد افتقارهم إلى الفضول حول القصص أو الزوايا التي حددها آخرون من مجموعتهم على أنها لا معنى لها.

 

المصدر : الجزيرة نت

تصفح أيضا...