مفهوم الديمين.. ح1 / الحسين ولد محنض

ثلاثاء, 03/12/2019 - 12:05

نستنتج من قول المختار بن حامدن بأن لفظ أولاد ديمان له إطلاقان: «أحدهما نظرا للانتساب»، والآخر «نظرا للبيئة والشيم والأخلاق()» وجود قطيعة مفهومية بين مفهوم الديمين وبين الانتماء الجينيالوجي لقبيلة أولاد دیمان، حيث يعبر الديمين عن ظاهرة بيئية وسلوكية أكثر من تعبيره عن ظاهرة جينيالوجية. ويمكن تعريفه بأنه عالم متميز من البنيات القولية والقيم السلوكية التي يتحلى بها شخص أو فئة ما، فالديمين() إذن هو مجموعة سلوك (قولي وفعلي) حياتية وليست مجرد انتساب()، رغم أن إطلاق الديمين مشتق من الانتساب إلى أولاد ديمان.

وربما عبر عن الديمين باستدمين ومعناهما واحد، وإن كان الديمين في الأصل يعني تمثل الديماني لسلوك أولاد ديمان، واستدمين يعني تمثل غير الديماني لسلوك أولاد ديمان، لكن جرى التوسع في استعماله بمعنى الديمين حتى أصبحا كالمترادفين.

والديمين مختلف الأوجه، متعدد الجوانب، كثير الجزئيات، ولو ذهبنا نعطي تعريفا وافيا ودقيقا له لما استطعنا. ويكفي أن نورد بعض أجوبة أولاد ديمان أنفسهم عنه لنتبين ما هي أهم أسس الديمين لديهم، فقد سئل أولاد ديمان عن الديمين مرة فقالوا بأنه: «"تلباگ الامور" (=تهوين الأمور)»، وربما عبروا عنه بعدم الإطناب.

وسئلوا عنه مرة، فقالوا بأنه: «"السبله" (=سماحة الطبع)»، وربما قالوا: «"ثلثين منو السبله والثلث لوخر منو املّ ألا السبله" (=ثلثان منه سماحة الطبع، والثلث الآخر منه أيضا سماحة الطبع)»، ويقصدون بـ«"السبله" (=سماحة الطبع)» سهولة الاستجابة للمقتضيات وسرعة التكيف مع المواقف، لكن ليس كل المقتضيات أو المواقف، بل تلك التي لا تتنافى مع الديمين.

وسئلوا عنه مرة فقالوا بأنه: «الظرافة»، وربما عبروا عنها بـ«گلت الثقل (=قلة الثقل)»، فالثقل، ويدخل فيه إتيان كل ما لا يلائم طباعهم، من أكبر منافيات الديمين عندهم، لاسيما ثقل من هو ثقيل ولا يعرف مع ثقله أنه ثقيل.

وسئلوا عنه مرة فقالوا بأنه «"اجبار" (=الموافقة)»، ويقصدون به الملاءمة في الطباع والموافقة في المواقف.

ويبدو من هذه الأجوبة المختلفة أن الأسس الأهم للديمين لدى أولاد ديمان أربعة هي:
«تهوين الأمور،
وسماحة الطبع،
والظرافة،
والموافقة»،
حيث تمثل هذه الأسس الأربعة بالنسبة إليهم الأصول التي يتجسد من خلالها كل ما سواها من القيم الديمانية الجزئية الكثيرة الأخرى.

وأهم هذه الأسس لدى أولاد ديمان: «"تلباگ الامور" (=تهوين الأمور)» كما يظهر من خلال جواب الديماني الذي قال له أحدهم: «لقد تميزت القبيلة الفلانية من تشمشه بالصلاح، والقبيلة الفلانية بالعلم، والقبيلة الفلانية بالكرم، والقبيلة الفلانية بالفتوة، فبماذا تميز أولاد ديمان؟ فقال له الديماني: "ألا اثرو تلباگ الامور" (=لعله تهوين الأمور)».

فتهوين الأمور لدى أولاد ديمان بمثابة العمود الفقري لهذه الأسس، لأنه يسد الباب أمام تفاقم الأمور التي كثيرا ما يجلب تفاقمها ضررا أعظم من ضررها الأصلي، فلذلك كثيرا ما يقولون بأن «"الامور أشبه تلبگ من تثقال" (=أن تهون الأمور أفضل من أن تتفاقم)».
ولا شك أن تهوين الأمور يتطلب من الديماني أن يواجه في حياته اليومية إساءات الغير بالصبر، والإغضاء، والتبسيط، وربما بإنكار حدوث هذه الإساءات أصلا إذا اقتضى الأمر.

كما أن تهوين الأمور يتطلب من الديماني في بعض الأحوال والظروف ألا يكون صريحا في التعبير عن مواقفه ومشاعره اتجاه ما يحدث، مما يجعله متهما من قبل من لا يعرف الديمين بالغموض وعدم الوضوح.

وتندرج تحت هذه الأسس الأربعة: «تهوين الأمور، وسماحة الطبع، والظرافة، والموافقة» منظومة متنوعة من القيم التي يتشكل منها الديمين أو يضفي عليها لمسته الخاصة، جمع ابن باباه شتاتها في تعريف جامع لمفهوم الديمين، فقال بأنه «محمول على الأناة، والحلم، والتأني، والتبصر، والحياء، واللطافة، والذكاء، وخفة الروح، وسرعة البديهة.. ومجموعة من الشيم والأخلاق.. والنكتة الظريفة()».

ومع أن كل هذه القيم التي ذكر ابن باباه موجودة بطريقة أو بأخرى لدى أولاد ديمان، فإن الصفة الديمانية المطلقة لا يتصف بها إلا من ينطلق في تديمنه –سواء عن وعي منه أو عن غير وعي- من الأسس الأربعة السابقة: («تهوين الأمور، وسماحة الطبع، والظرافة، والموافقة») فإن لم ينطلق منها كان ولا بد ديمانيا ناقص الديمين.

وبهذه المنظومة القيمية المتنوعة المبنية على الأسس المذكورة يتميز -أو يريد أن يتميز- أولاد ديمان عمن يسمونهم بإيتشگي (=الغير)، الذين يرى الديمانيون أنهم يمثلون الصورة الأخرى المقابلة لهم، فقد «سئل أولاد ديمان مرة عن الديمين فقالوا بأنه: "ذاك الماه استتشگي" (=ما ليس بسلوك إيتشگي)، فسئلوا عن استتشگي فقالوا بأنه: "ذاك الماه الديمين" (=ما ليس بسلوك أولاد ديمان)»..... يتواصل)).

 

تصفح أيضا...