د. سيد أعمر شيخنا يكتب: في أفق المشهد الرئاسي 2019: المهام الوطنية المستعجلة

سبت, 27/10/2018 - 19:14

رغم الطبيعة المفصلية التي تميز الاستحقاقات الرئاسية المزمع إجراؤها في موريتانيا منتصف العام 2019؛ لايزال الغموض والتوجس يحكمان - نسبيا - موقف قطاعات واسعة من النخبة السياسية الوطنية في السلطة والمعارضة على حد سواء. وبغض النظر عن السيناريوهات والمآلات المتوقعة وغير المتوقعة في الانتخابات الرئاسية القادمة فإن القضايا المركزية التي يجب أن تشغل بال المجتمع السياسي الوطني في المرحلة القادمة، تتشكل-  في نظري - من ثلاث قضايا رئيسية أولاها: احترام الدستور وتحقيق التناوب الديمقراطي، وثانيتها: انتخاب رئيس مدني، ينهي تدخل الجيش في السياسة، وأما الثالثة: فهي حصول توافق وطني واسع يوفر شبكة أمان لعملية التحول التاريخي. هذه هي المهام الوطنية المستعجلة التي تتطلب من الجميع تنازلات متبادلة، حتى تقف البلاد على أرضية صلبة، تمكنها من العبور الآمن نحو المستقبل.

قد يتساءل البعض: لماذا الإصرار على تحديد وحصر المهام الوطنية المستعجلة في أفق الانتخابات الرئاسية 2019 في القضايا الثلاث: (التناوب الديمقراطي، التوافق الوطني، انتخاب رئيس مدني)؟ هذا التساؤل المشروع يحيلنا إلى الحديث عن ثلاث تحديات مزمنة، تحيط بتجربة التحول الديمقراطي الموريتاني، هي: الجمود الديمقراطي، ضعف الدولنة، غياب السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية. وهي تحديات ذات طبيعة متشابكة فالجمود الديمقراطي هو نتيجة حتمية لوضعيتي التدخل السياسي للجيش وضعف الدولنة، كما أن تدخل الجيش في السياسة هو إفراز طبيعي للهشاشة السياسية والمؤسسية الناتجة عن ضعف الدولنة.

التناوب الديمقراطي:

يمثل التناوب الديمقراطي المهمة الوطنية الأولى، وتأخذ هذه القضية أولويتها الاستثنائية من الاختبار المصيري الذي يواجه تجربة التحول الديمقراطي في موريتانيا على ضوء الجدل المثير حول احترام مبدأ الحد من المأموريات الرئاسية.

في أدبيات الانتقال الديمقراطي يتحدث الخبراء في التحولات الديمقراطية الناشئة عن انعكاسات البيئة التي وضع فيها الدستور، على مستقبل مسار التحول الديمقراطي، ومن المعروف أن البيئة التي وضع فيها دستور يوليو 1991، كانت سيئة للغاية، حيث تحاشى النظام العسكري أي نقاش مجتمعي حول مواد الدستور الديمقراطي المرتقب، واكتفى بدل ذلك بتكليف لجنة سرية من حوارييه بكتابة مواد الدستور الجديد بشكل يخدم بقاء الجوهر التسلطي مع أشكال ديمقراطية براقة، وكانت العلامة الأبرز في هذا الاتجاه هي عدم تحديد عدد المأموريات الرئاسية، ولكن التعديل الدستوري 2006 - الذي كتب أثناء صحوة ضمير وعلى وقع أزمات سياسية حادة - حقق للموريتانيين مكسبا دستوريا مُهِمًّا تمثّل في الحد من المأموريات الرئاسية من خلال مواد محصنة دستوريا، وهي المواد التي باتت اليوم أحد أهم مكاسب التراكم الديمقراطي في موريتانيا.

لاتزال الديمقراطية الموريتانية تصنف في خانة المنطقة الرمادية، أو ما يعرف بالنظم الهجينة، بمعنى أنها تجاوزت مرحلة التسلطية الصّرفة، ولكنها لا تسير نحو الترسيخ الديمقراطي بوضوح وثقة. إن التحدي الأكبر في مسار التحول الديمقراطي – كما يقول روبرت أ. دال - يتمثل في تعزيز الممارسات والثوابت الديمقراطية... بحيث تستطيع الصمود أمام اختبارات الزمن، والصراع السياسي، بحيث تتمكن من تعميق الديمقراطية.

وبغض النظر عن واجبات ومسؤوليات الأطراف المختلفة )الأحزاب، المجتمع المدني، الجيش، القوى الخارجية( من قضية التناوب الديمقراطي إلا أن المسؤولية الكبرى تقع اليوم على كاهل الرئيس محمد ولد عبد العزيز، إن الرئيس ولد عبد العزيز الذي ساهم بفاعلية في إنقاذ سفينة البلاد في الثالث من أغسطس 2005، من مآزق حقيقية وليست وهمية ولا مفتعلة، مطالب اليوم بالوفاء بتعهداته واحترام دستور بلاده، والوعي بأهمية الفرصة التاريخية المفتوحة أمامه، فنجاحه في قيادة تناوب ديمقراطي سلس، سيرتقي من خلاله إلى مصاف القادة الذين وضعوا أشياء مهمة في حقيبة التاريخ الوطني لبلدانهم... وعلى قوى المعارضة في المقابل الاستفادة من خبرة  الانتقالات الديمقراطية الناجحة، حيث تلجأ الأطراف الفاعلة  لحل وسط، منطِقُه تسهيل الانتقال نحو الديمقراطية بمنح هؤلاء المسؤولين فرصة للمساهمة في مسار الانتقال بعدم ملاحقتهم قضائيًا؛ لأنهم لا يزالون يمسكون بقدر مهم من السلطة، وبإمكانهم عرقلة التحول لو لم تُقدَّم لهم ضمانات بعدم المتابعة.

انتخاب رئيس مدني:

والمهمة الثانية المستعجلة - في نظري - فهي وجوب انتخاب رئيس مدني قوي وملتزم ديمقراطيا، إيذانا بإنهاء صفحة التدخل السياسي للجيش في شؤون السلطة، ومع الإقرار بأنه  "لا يوجد جيشٌ بعيدٌ عن السياسة بحكم التعامل اليومي مع شؤون "الأمن القومي"، غير أن (المقصود هنا) هو تطلّع الجيش إلى السياسة بمعناها الضيق، أي ممارسة الحكم، والاستيلاء عليه، أو المشاركة فيه".

أعترف بأن الظروف التي أحاطت بأول انقلاب عسكري (يوليو 1978) كانت استثنائية بكل المقاييس، بفعل التأثيرات المدمرة لحرب الصحراء على مجمل الأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية في البلاد، حيث كان النظام المدني عاجزا عن كسب الحرب، وعاجزا في نفس الوقت عن الخروج منها أو الحد من تداعياتها الخطيرة. بل وأدرك أكثر من ذلك أن "أهم مسببات التدخل العسكري في السياسة - كما يقول هنتغتون - ليست عسكرية بل سياسية، وهي  تعكس البنية السياسية والمؤسساتية للمجتمع".

في العهد المدني الأول (1960-1978) حقق النظام السياسي مستوى مثاليا من السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية والأمنية، ولكن – للأسف - لم تكن هناك مبادئ أو مؤسسات ديمقراطية، وبالتالي لم يتربَّ الجيش على الديمقراطية، لأنها لم تكن موجودة حتى نطالبه باحترامها.

واليوم، وبعد مضي أربعة عقود على التدخل السياسي للمؤسسة العسكرية في موريتانيا، فإن هذا التدخل غير الشرعي بات يمثل تهديدا مقلقا ليس فقط لمستقبل الديمقراطية كنظام للحكم، بل مستقبل الدولة نفسها. فالجيش كما يقول "زولتان براني: "ليس فقط المؤسسة الأقل ديمقراطية بين مؤسسات الدولة، ولكنه أيضا المؤسسة الوحيدة في الدولة القادرة على تدمير الدولة".

إن الاستقرار السياسي هو المدخل الرئيس لأي تنمية أو نهضة، وتدخل الجيش في الحياة السياسية عامل مقوض للاستقرار ومعيق للنهوض التنموي، إن الدساتير في الدول الديمقراطية تحدد "وظيفة الجيش في حفظ كيان الدولة والوطن من الخطر الخارجي، وهي سلطة - كما يقول بلقزيز - لا تخول له نقل خطوطه العسكرية إلى الداخل أو الانتقال من حدود الدولة إلى حدود السلطة" .

التوافق السياسي:

 والمهمة الثالثة المستعجلة في أفق الانتخابات الرئاسية 2019، هي حصول توافق سياسي وطني عريض في المرحلة القادمة، لتحويل الولاية القادمة للرئيس المدني المنتخب إلى مرحلة انتقالية حقيقية، يتم خلالها نقاش سياسي مجتمعي واسع لتحديد المعالم الكبرى لموريتانيا المستقبل.

إن الباعث الأول للتوافق السياسي في هذه المرحلة الحساسة، هو التحديات المرتبطة بحالة ضعف الدولنة التي تعاني منها الدولة الموريتانية، وكما يقول جوان لينز: فإن "الديمقراطية نظام لإدارة الدولة، ولكي تكون لديك ديمقراطية يجب أن تكون لديك دولة أولا". إن أهم مظاهر ضعف الدولنة - بحسب غيورغ سورسن - هو "غياب المجتمع المندمج حيث تنزع الدولة في هذا النموذج نحو تكريس الروابط العمومية القائمة على القبيلة والجهة والانتماءات الإثنية، كما لا تدار المؤسسات الحكومية - في هذا النموذج - لمصلحة الجماعات الرئيسة في المجتمع". مما يجعل أولى خطوات الحكم الرشيد ومداخله هي "العمل على إعادة الدولة إلى المجتمع، وإدماج مكوناته في الدولة، بإحداث تغيير مهم في الأسس التي وزعت، وتوزع، في إطارها حصص القوة في المجتمع، ليكون مدخلها عنصر المواطنة"، وإنهاء الممارسات الاستبعادية-الإقصائية التي كانت دوما أحد مصادر اختلال بناء الدولة وعدم استقرارها.

 وأما الباعث الثاني للتوافق السياسي في المرحلة القادمة فيتعلق بسيرورات التحول الديمقراطي، والتي تغير - بطبعتها الحركية -  بنية السلطة السائدة، "مهددة بذلك الوضع السياسي للنخب العريقة ومكاسبها، حيث تلجأ النخب الحاكمة - عادة - إلى الاختلافات الدينية أو العرقية لحشد التأييد أو لخلق مناخ من الفوضى والعنف، يحبطان أي تغيير آخر لمصلحة المحافظة على الوضع القائم".

وأما الباعث الثالث للتوافق السياسي؛ فهو الحاجة الملحة لإنجاح مشروع تحقيق السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية، ويتطلب النجاح في هذه المهمة ذات الطابع الاستراتيجي، حكومة مدنية قوية مشكلة من تحالف سياسي واسع، يكون قادرا على التفاوض مع المؤسسة العسكرية من موقع قوة، ففي الحالات التي فشلت فيها السيطرة المدنية واستمرّ الجيش في التأثير "كان السبب الرئيس هو انقسام النخب والقوى السياسية، وعدم وجود إجماع وطني على إخراج الجيش وعدم وجود بديل وطني يطمئن له الجيش".

وخلاصة القول: أن الانتخاباتِ الرئاسيةَ في العام 2019، حدثٌ مفصليٌّ في تاريخ النظام السياسي الموريتاني، بل ويمكن تحويلها إلى "انتخابات تأسيسية"، تحقق التناوب الديمقراطي، باعتباره أحد المداخل الرئيسة للترسيخ الديمقراطي، الذي يمثل اليوم طوق نجاة للدولة والمجتمع، وتعيد تسليم السلطة للمدنيين، حيث تمثل السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية والأمنية أحد أهم المتطلبات المسبقة للديمقراطية، وفي البلدان الأقل ديمقراطية - ممن عانت من الحكم العسكري كموريتانيا – تعد هذه السيطرة المدنية أهم الضمانات للوصول إلى مرحلة الترسيخ الديمقراطي. فمن دون نجاح السلطة المدنية في السيطرة على القوات المسلحة وأجهزة الأمن فلا مجال للحديث عن نظام ديمقراطي حقيقي. والأهم من كل ذلك إحاطة هذا التحول التاريخي بتوافق سياسي وطني عريض، وتجاوز منطق "أغلبية وأقلية/ موالاة ومعارضة". وكما يقول أديبابو أديديجي - الباحث النيجيري والمسؤول الأممي السابق -: "إن الأفارقة هم أساتذة الماضي في التشاور والتوافق والإجماع، إن تقاليدنا تمقت استبعاد الآخرين. ومن ثم، فلا توجد معارضة مصادق عليها وذات طابع مؤسساتي في نظامنا التقليدي للحكم. ولم يكن مجال السياسة بالنسبة إلينا لعبة يتعين فيها أن يخسر أحد الأطراف لكي يكسب طرف آخر.

 

تصفح أيضا...