موريتانيا وفرصة تخفيف عبء الدين (٢) / سيدي احمد ولد إبوه *

أحد, 19/04/2020 - 22:45

ربما لم يكن يخطر ببال الوفود المؤسسة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بريتون وودز /ديسمبر 1945 أن يواجه العالم الخارج لتوه من أزمتي الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية أزمة بحجم جائحة كورونا وما نتج عنها من تعطل شبه كلي لماكينة الاقتصاد العالمي وتحديات تهدد بقاء النظام المالي العالمي على الأقل بتركيبته التي نعرف.
يتدخل صندوق النقد الدولي أساسًا لدعم ميزان المدفوعات وتمكين البلدان الأعضاء من مواجهة آثار الاختلالات الناتجة عن ارتفاع أسعار المواد المستوردة وانخفاض عائدات الصادرات وإسداء المشورة الفنية لإصلاح المالية العامة والسياسة الاقتصادية وللمصرف مجموعة آليات متشعبة تؤطر تدخله في بلدانه الأعضاء البالغ عددها 189 بلدًا. وتنقسم تلك الآليات إلى قسمين رئيسيين هما القروض غير الميسرة والقروض الميسرة وضمن كل من القسمين آليات طوارىء حين تستدعي الضرورة ذلك.
من المشروع تمامًا أن نأمل استفادة موريتانيا من جهود ومبادرات تخفيف المديونية في إطار التصدي لآثار جائحة كورونا. لقد بوبت ميزانية الدولة الموريتانية لسنة 2020 على 96 مليار أوقية قديمة برسم تسديد أصول وفوائد الأقساط السنوية الحالّة سنة 2020 ( 22 مليار عن الفوائد و74 مليار عن اهتلاك أصل الدين) ورغم احتمال أن يكون هذا البند قد تم الصرف منه بالنسبة للأقساط المترتبة على الربع الأول من العام الحالي فلا شيء يمنع وفق الآلية التي قد يتم اعتمادها إعادة تلك المبالغ للدولة الموريتانية.
تتحمل الموازنة شهريًا مبلغ 12 مليار أوقية قديمة لدفع أجور ومرتبات الموظفين العموميين وموظفي المؤسسات العمومية (إجمالي البند يبلغ 167 مليار لتبويبه على الانتدابات التي كانت مقررة في عدة قطاعات حكومية). 
سيحرر ولوجنا لمبادرة تخفيف الدين موارد إضافية من الوارد جدا استخدامها لتوفير مظلة لذوي الدخل المحدود وللفئات الهشة عبر برامج التدخل المنفذة حاليا. من المهم جدا للتحكم في التبعات السنوية لأي زيادة في الأجور أن تتجنب الدولة مراجعة أسس احتساب الراتب (العلامة القياسية) فالأزمة ستتعدى والرواتب نفقات متكررة وهنا قد يكون من الأنسب والأنجع بالنسبة لمصير المالية العامة بعد الأزمة أن يتم صرف راتب شهرين (الشهر الثالث عشر والشهر الرابع عشر) بالتزامن مع عيدي الفطر والأضحى ودعوة الدولة للشركاء الاجتماعيين للحذو حذوها بالنسبة لعمال القطاع الخاص ولو اقتضى الحال دعمه من الدولة في هذا الإجراء الاستثنائي.
ومن جهة أخرى فقد بوبت ميزانية الدولة لسنة 2020 على نفقات استثمار تبلغ 230 مليار أوقية قديمة منها 65 مليار أوقية قديمة كانت متوقعة من تمويلات خارجية (هذه الفرضية لم تعد واقعية) وهذا ما يدعو لإعادة ترتيب أولويات ميزانية الاستثمار وتأجيل ما لا يتمتع بالصبغة الاستعجالية من المشاريع وتحويل المخصصات للنفقات الاجتماعية (لم تعد الحكومة بعد صدور قانون التأهيل ملزمة بالعودة لطلب ترخيص البرلمان في هذه الإجراءات).
سيكون من المهم جدا مراجعة محفظة المشاريع المنفذة حاليا بتمويل من البنك الدولي ضمن محفظة متهالكة بقيمة 360 مليون دولار ( سبعة مشاريع وطنية وثمانية مشاريع إقليمية) والسعي إلى إقناع هذه الهيئة بالخروج نهائيًا من مقاربة المشاريع التي أثبتت فشلها في مختلف الدول والاستعاضة عنها بمقاربة الدعم الميزانوي ( لموريتانيا حاليا دعم ميزانوي مع هذه المؤسسة ب 150 مليون دولار على الفترة 2019 -2021 )وهي المقاربة التي تمكن الدولة من برمجة على أساس موارد تحت تصرفها ومن الطبيعي جدا الإنصات لمآخذ هذه المؤسسة على بعض نصوصنا الناظمة للإنفاق في مجال الاستثمار واتخاذ الإصلاحات المناسبة تبعًا لذلك.
وفي ذات السياق سيكون مناسبا مراجعة محافظ التمويل مع المؤسسات العربية والإسلامية والبنك الافريقي للتنمية لإدخال مزيد من المرونة على آليات تعبئة الموارد وإعادة توجيهها وفق ما تمليه إكراهات الأزمة. 

سيتناول الجزء الثالث والأخير من هذه الورقة ضرورة إعادة صياغة منوال التنمية الموريتاني على ضوء تبعات أزمة كورونا (النمو السالب للناتج الداخلي الخام ) وتحسبا للحصول على موارد متأتية من تخفيف المديونية.
يتواصل

تصفح أيضا...